زكريا القزويني
129
عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات
59 فصل : في جزائره وبحاراه ( منها ) ما ذكره أبو حامد قال : رأيت في هذا البحر جبلا من طين أسود كالقير والبحر محيط به ، وفي سنام ذلك الجبل شق طويل يخرج منه الماء ، ويوجد في ذلك الماء سناج الدانق من الصفر ، وربما يكون أكبر أو أصغر ، يحملها الناس إلى الآفاق للتعجب . ( ومنها ) جزيرة الحيات ، قال أبو حامد : إنها بقرب الجبل الذي ذكر ، وهي جزيرة امتلأت من الحيات ، وفيها حشيش كثير ، والحيات في وسطها لا يقدر أحد أن يضع رجله على الأرض ؛ لكثرة ما فيها من الحيات المتلفة بعضها على بعض ، وفيها طيور كثيرة ، والحيات لا تتعرض لبيض الطيور وفراخها ، رأيت الناس يأخذون بأيديهم العصي ويزيلون الحيات بها عن مكان أقدامهم ، ويمشون بين الحيات ، ويأخذون بيض الطيور وفراخها ، والحيات لا تؤذي أحدا منهم . ( ومنها جزيرة الجن ) وهي جزيرة ليس بها أنيس ولا شيء من الوحوش ، وتسمع أصوات كأنهم يقولون : غلب الجن عليها ، ولا يجسر أحد أن يقربها ، واللّه أعلم . ( ومنها جزيرة الغنم ) قال سلام الترجمان رسول الخليفة إلى ملك الخزر : وهي جزيرة ما بين الخزر والبلغار ، فيها من الأغنام الجبلية مثل الجراد ، لا يمكنها الفرار لكثرتها ، وما رأيت في تلك الجزيرة حيوانا غيرها ، وفيها عيون وحشيش وأشجار كثيرة ، فسبحان من لا تحصى نعمه . 60 فصل : في حيوان هذا البحر ذكر أبو حامد الأندلسي في كتاب العجائب الذي ألفه للوزير ابن هبيرة عن سلام الترجمان رسول الخليفة إلى ملك الخزر ، قال : أقمت عند ملك الخزر أياما ورأيت أنهم اصطادوا سمكة عظيمة جدّا ، وجذبوها بالحبال ؛ فانفتحت أذن السمكة وخرجت منها جارية بيضاء حمراء طويلة الشعر حسنة الصورة ، فأخرجوها إلى البر ، وهي تضرب وجهها وتنتف شعرها وتصيح ، وقد خلق اللّه تعالى في وسطها غشاء كالثوب الصفيق من سرتها إلى ركبتها ، كأنه إزار مشدود على وسطها فأمسكوها حتى ماتت . ( ومنها التنين العظيم ) « 1 » ذكروا أنه يرتفع من هذا البحر تنين عظيم شبه السحاب الأسود ،
--> ( 1 ) التنين : حيوان بحري عظيم مخيف ، ويقال : إنه حيوان أسطوري يجمع بني الزواحف والطير ، ويزعمون أن له مخالب أسد وأجنحة نسر وذنب أفعى ، ويتخذ في بعض البلاد رمزا قوميّا . ومما لا شك فيه أن القدماء أطلقوا هذا الاسم على بعض المخلوقات العجيبة المنظر ، وفي منظرها دليل على